وهبة الزحيلي
293
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي واللّه سبحانه مع عباده بقدرته وسلطانه وعلمه ، أينما كانوا في البر والبحر والجو ، واللّه رقيب عليهم بصير بأعمالهم ، لا يخفى عليه شيء منها . قال أبو حيان : وهذه آية أجمعت الأمة على هذا التأويل فيها ، وأنها لا تحمل على ظاهرها من المعية بالذات ، وهي حجة على من منع التأويل في غيرها ، مما يجري مجراها من استحالة الحمل على ظاهرها « 1 » . لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي هو المالك للدنيا والآخرة . كما قال تعالى : وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى [ الليل 92 / 13 ] فلا راد لقضائه ، ولا معقّب لحكمه ، وهو المحمود على ذلك كما قال تعالى : وَهُوَ اللَّهُ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ [ القصص 28 / 70 ] ومرجع جميع الأمور إلى اللّه وحده لا إلى غيره يوم القيامة ، فيحكم في خلقه بما يشاء ، وهو العادل الذي لا يجور ، ولا يظلم مثقال ذرة . وقوله : لَهُ مُلْكُ . . هذا التكرير للتأكيد ، أو أنه وما بعده ليس بتكرار ، لأن الكلام الأول في الدنيا لقوله : يُحْيِي وَيُمِيتُ والثاني في العقبى والآخرة لقوله : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ . يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ، وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي إن اللّه سبحانه هو المتصرف في الخلق ، يقلّب الليل والنهار ، ويقدرهما بحكمته كما يشاء ، فتارة يطول الليل ، ويقصر النهار ، وتارة بالعكس ، وتارة يتركهما معتدلين ، وتتوالى الفصول الأربعة بحكمته وتقديره لما يريده بخلقه ، وهو يعلم السرائر وضمائر الصدور ومكنوناتها ، وإن خفيت ، لا يخفى عليه من ذلك خافية ، سواء الظاهر والباطن .
--> ( 1 ) البحر المحيط : 8 / 217